الشيخ محمد هادي معرفة
384
تلخيص التمهيد
آبائكم فإنَّه كفر بكم » . وأنس كان يقول : قرأنا في القرآن « بلِّغوا عنّا قومنا أنّا لقينا ربَّنا فرضي عنّا وأرضانا » . وقال عمر : قرأنا آية الرجم في كتاب اللَّه ووعيناها . وقال ابيّ بن كعب : إنّ سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها ! ! قال : والشافعي ، لايُظنُّ به موافقة هؤلاء في هذا القول ، ولكنَّه استدلَّ بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات « 1 » ، فإنَّه صحَّح ما يروى عن عائشة : وأنَّ ممّا انزل في القرآن « عشر رضعات معلومات يحرِّمن » . فنسخن بخمس رضعات معلومات ، وكان ذلك ممّا يُتلى في القرآن بعد وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . قال : والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 2 » . ومعلوم أنَّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى ، فإنّه يتعالى من أن يوصف بالغفلة أو النسيان ، فعرفنا أنَّ المراد الحفظ لدينا . وقد ثبت أنَّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، ولو جوَّزنا هذا في بعض ما أوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه ، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف . وأيُّ قول أقبح من هذا ؟ ! ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما بأيدينا اليوم أو كلّه مخالف لشريعة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، بأن نسخ اللَّه ذلك بعده ، وألَّف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته . فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر اللَّه تعالى أنَّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله ، وبه يتبيَّن أنَّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته ، وماينقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها . قال : وحديث عائشة لا يكاد يصحّ ، لأنَّه ( أي الراوي ) قال في ذلك الحديث : وكانت الصحيفة تحت السرير ، فاشتغلنا بدفن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فدخل داجن البيت فأكله . ومعلوم أنَّ بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب ، ولا يتعذّر عليهم إثباته في صحيفة أخرى ، فعرفنا أنَّه لا أصل لهذا الحديث « 3 » .
--> ( 1 ) وهكذا أبو محمّد ابن حزم استدلّ بذلك . ( انظر المحلّي : ج 10 ص 15 ) . ( 2 ) الحجر : 9 . ( 3 ) أصول السرخسي : ج 2 ص 78 - 80 .